محمد بن جرير الطبري

38

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر داود وسليمان يا محمد إذ يحكمان في الحرث . واختلف أهل التأويل في ذلك الحرث ما كان ؟ فقال بعضهم : كان نبتا . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن إسحاق ، عن مرة في قوله : إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ قال : كان الحرث نبتا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة ، قال : ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلا . وقال آخرون : بل كان ذلك الحرث كرما . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا المحاربي ، عن أشعث ، عن أبي إسحاق ، عن مرة ، عن ابن مسعود ، في قوله : وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ قال : كرم قد أنبت عناقيده . حدثنا تميم بن المنتصر ، قال : أخبرنا إسحاق ، عن شريك ، عن أبي إسحاق ، عن مسروق ، عن شريح ، قال : كان الحرث كرما . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قال الله تبارك وتعالى : إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ والحرث : إنما هو حرث الأرض . وجائز أن يكون ذلك كان زرعا ، وجائز أن يكون غرسا ، وغير ضائر الجهل بأي ذلك كان . وقوله : إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ يقول : حين دخلت في هذا الحرث غنم القوم الآخرين من غير أهل الحرث ليلا ، فرعته أو أفسدته . وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ يقول : وكنا لحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم فيما أفسدت غنم أهل الغنم من حرث أهل الحرث ، شاهدين لا يخفى علينا منه شيء ، ولا ينيب عنا علمه . وقوله : فَفَهَّمْناها يقول : ففهمنا القضية في ذلك سُلَيْمانَ دون داود القضاء والشهادات . وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً يقول : وكلهم من داود وسليمان والرسل الذين ذكرهم في أول هذه السورة آتينا حكما وهو النبوة ، وعلما : يعني وعلما بأحكام الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصم قالا : ثنا المحاربي ، عن أشعث ، عن أبي إسحاق ، عن مرة ، عن ابن مسعود ، في قوله : وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ قال : كرم قد أنبت عناقيده فأفسدته . قال : فقضى القضاء والشهادات داود بالغنم لصاحب الكرم ، فقال سليمان : غير هذا يا نبي الله قال : وما ذاك ؟ قال : يدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان ، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها ، حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه ودفعت الغنم إلى صاحبها . فذلك قوله : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ . حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إلى قوله : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ القضاء والشهادات يقول : كنا لما حكما شاهدين . وذلك أن رجلين دخلا على داود ، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم ، فقال صاحب الحرث : إن هذا أرسل غنمه في حرثي ، فلم يبق من حرثي شيئا . فقال له داود : اذهب فإن الغنم كلها لك فقضى بذلك داود . ومر صاحب الغنم بسليمان ، فأخبره بالذي قضى به داود ، فدخل سليمان على داود فقال : يا نبي الله إن القضاء سوى الذي قضيت . فقال : كيف ؟ قال سليمان : إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه في كل عام ، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث ، فإن الغنم لها نسل في كل عام . فقال داود : قد أصبت ، القضاء كما قضيت . ففهمها